RSS

قراءة في كتاب “الشركة الناشئة المرنة”: تطبيق دروس منه على العالم العربي

19 أبريل
قراءة في كتاب “الشركة الناشئة المرنة”: تطبيق دروس منه على العالم العربي



يستحق كتاب “الشركة الناشئة المرنة” (The Lean Startup) أن يقرأه أي شخص جدّي في ريادة الأعمال، إذ يقدّم فيه الكاتب إيريك ريس منهجية علمية لإطلاق شركات ناشئة بنجاح وكفاءة. 

تعتبر ريادة الأعمال نوعاً من المجازفة وستبقى كذلك، ولكن ريس يوضح أن “نجاح الشركة الناشئة يمكن هندسته من خلال متابعة عملية وهو ما يعني أنه أمر يمكن تعلّمه وتعليمه”.  

والكتاب ليس جيداً فقط ككتاب حول الأعمال، بل إن ريس وهو خبير في رواية القصص، يأخذ القرّاء عبر عدة دراسات حالات مقنعة يمكن تطبيق الدروس المستقاة منها فوراً. (وبالفعل قمت بدمج العديد من الدروس في الكتاب في طريقة عمل فريق “شارك” في “المبادرة العربية للتنمية”، أثناء عملنا على إطلاق منصة تحفّز مشاريع التنمية المحلية الصغيرة في جميع أنحاء المنطقة)

وكنت اعتبرت في مقالة سابقة أن ريادة الأعمال تنبع في جوهرها من ذهنية استباقية تشجع على الإحساس بالملكية والمسؤولية تجاه المشاكل المحيطة بنا في المجتمع وتراها فرصاً ينبغي استغلالها وترحب بأية مخاطر وإخفاقات قد ينطوي عليها إيجاد الحل. ونظراً إلى حالة المنطقة فإن الريادة، على جميع المستويات، يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في تقدمها.

ويتبع كتاب “الشركة الناشئة المرنة” هذه الفلسفة. وفي تعليقه على الكتاب يقول تيم أوريلي، مؤسس  شركة النشر “أوريلي ميديا”:

ليس كتاب “الشركة الناشئة المرنة” حول المشاريع الريادية الناجحة فحسب، بل يقدّم لنا أفكاراً عما يمكننا أن نتعلمه من تلك المشاريع كي نغيّر افتراضياً كل شيء نفعله. وبالفعل أجدني أتخيّل مبادئ الكتاب مطبّقة على البرامج الحكومية والرعاية الصحية ومستخدمة لحل أصعب مشاكل العالم. ويقدم الكتاب في النهاية الإجابة على السؤال: كيف يمكننا أن نتعلّم بشكل أسرع ما هو فعّال وأن نتخلّى عما ليس فعّالاً؟

ويؤكد أوريلي، بذكاء، على قدرة التفكير والتعليم الرياديين، وخصوصاً اللذين يتبناهما ويوضحهما كتاب ريس، على إحداث تغيير جذري في طريقتنا العامة في القيام بالمشاريع وليس فقط في الشركات الناشئة ولكن أيضاً في الحكومة، وداخل المجتمع ككل. وفي حين نجد العديد من الدروس القيّمة في الكتاب التي يمكن بسهولة تطبيقها على سياق أوسع بكثير، سوف أركز هنا على الدروس الحاسمة التي رسخت لديّ. 

مجتمع من الرياديين مقابل مجتمع من السياسيين

حين يتعلق الأمر ببناء مجتمع قادر على حل المشاكل بطريقة خلاقة وفعالة، يكون بناء ثقافة ريادية أمراً ضرورياً. ويوضح ريس الأمر من خلال قصة شركة خدمات الضرائب العملاقة “إنتويت” (Intuit)، التي قامت بتقليص تركيزها على إصدار منتج واحد سنوياً لصالح إنتاج فكرة مكررة، وهذا لم يذهب بها إلى رفع ربحها الصافي ورضا الزبائن فحسب، بل أحدث تحوّلاً في ثقافتها. وكما أوضح مسؤول تنفيذي كبير:

ان كمية الأمور التي نتعلمها ضخمة جداً الآن. وهي تساهم في تطوير الرياديين لأنه حين يكون لديك اختبار واحد فقط فأنت لا تملك رياديين بل سياسيين، لأن عليك أن تبيع. فمن بين مئات الأفكار الجيدة، عليك أن تبيع فكرتك. لذلك تقوم ببناء مجتمع من السياسيين والبائعين. وحين يكون لديك 500 اختبار تجريها، يمكن لأفكار الجميع أن تكون فعالة. ومن ثم يمكنك أن تخلق رياديين يمكنهم أن يتقدموا ويتعلموا ويتعلموا من جديد ويعيدون إطلاق أنفسهم على العكس من مجتمع السياسيين. 

وفي الأساس، يسمح توليد المزيد من الأفكار، بالاختبار عن طريق التكرار السريع، والذي يولّد حلولاً أفضل للمشاكل اليومية. والتطبيقات المحتملة للحلول لا حدود لها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحرك التفكير في المجتمع وهو التعليم. تخيل صفاً مدرسياً في العالم العربي حيث المدرسون يشجعون الطلاب على تحدي النظريات القائمة والمقبولة واختبار النظريات الخاصة بهم. وبعبارة أخرى، تصور منهجاً تعليمياً يساعد الطلاب على التفكير النقدي والإبداعي.

التعلّم المثبت وإضافة القيمة

في عالمنا حيث هناك إفراط في الاتصال والتواصل، وجدنا أنفسنا نخلط بين النشاط والإنتاجية. فقد أصبح في كثير من الأحيان “القيام بشيء ما” أكثر أهمية من القيام بخطوة إلى الوراء ثم التوقف وفعل الشيء الصائب. إن التحرك مهم للغاية، ولكنه ليس دائماً ورقة رابحة. ونحن نميل إلى إعطاء الأولوية للراحة التي تأتي من علمنا بما فعلناه وسرعة ذلك الفعل، على حساب القيمة التي نحققها بشق الأنفس من خلال الحفر عميقاً في مصدر المشكلة، والتعامل مع الانزعاج والقلق اللذين يأتيان خلال عملية إيجاد الحل الصحيح.

وإحدى التقنيات اللازمة لتشجيع تحرك مدروس والتي وردت في كتاب ريس هي “طرح سؤال يبدأ ب’لماذا’ خمس مرات” على إحدى المشاكل للوصول إلى السبب الجذري لها. وهذه العملية تعزز ما يطلق عليه ريس إسم “التعلم المثبت”، وقد طبقه لأول مرة في شركته على الانترنت IMVU:

أدركت أننا كشركة ناشئة نحتاج إلى تعريف جديد للقيمة. والتقدم الحقيقي الذي حققناه في IMVU هو ما تعلمناه خلال الأشهر الأولى حول ما الذي يخلق قيمة للزبائن. واقتنعت بأن التعلّم هو عنصر ضروري في نجاح الشركة الناشئة. ويمكن إلغاء الجهد الذي ليس ضرورياً لتعلّم ما الذي يريده الزبائن. أسمّي ذلك “التعلّم المثبت” لأنه يمكن دائماً إثباته من خلال التحسن الذي يطرأ في المقاييس الأساسية للشركة.

ونظراً إلى الأزمة المالية الحالية والاقتطاعات في الميزانيات في القطاعين العام والخاص، أريد أن أؤكد أن التعلم يجب أن يكون عنصراً أساسياً في التقدم بالنسبة إلى جميع الكيانات في المجتمع إن لم نقل جميعها. وهناك حاجة ماسة، خصوصاً في القطاع العام بالشرق الأوسط، إلى  المزيد من التركيز على المقاييس ولكن ليس أية مقاييس بل تلك التي تُظهر القيمة الفعلية التي أضيفت للزبائن والمواطنين. وبإمكان الحكومات في المنطقة أن تقلّص النفقات من خلال تطبيق ذهنية إنتاج هزيلة تركز على النشاطات التي تضيف قيمة للمواطنين وتترك وراءها أي زيادة في التحرك من شأنها أن تستنفذ أكثر الميزانيات الضئيلة أصلاً.

العمل وفقاً للافتراضات

نحن جميعاً لدينا افتراضات، بغض النظر عن مجال عملنا وما إذا كنا نقر بوجودها أم لا. وأحد المواضيع الذي تبادر إلي بقوة في كتاب ريس هو أهمية تحديد ما هي الافتراضات التي تعمل وفقها أي شركة ناشئة ووضعها فوراً طور الاختبار. ويعتقد ريس أن كل شركة ناشئة تعمل على فرضيتين رئيسيتين:

ان أهم افتراضين يقوم بهما الريادي هما ما أسمّيهما  فرضية القيمة وفرضية النمو. فالأولى تختبر ما إذا كان المنتج أو الخدمة يضيف حقاً قيمة للعملاء حالما يتم استخدامه أما فرضية النمو فتختبر كيف سيكتشف العملاء الجدد منتجاً أو خدمة ما.

وفي غمرة الربيع العربي، تحتاج المنطقة بشكل ملحّ إلى مثل هذه المقاربة المنهجية لحل المشاكل والتحسين. ونحن نشهد إعادة تشكيل شرق أوسط جديد، قد نجد أن هناك فرصة جديدة يمكن تقديمها للمنطقة بعد شوط طويل من دراسة الافتراضات الأساسية. وكما يقول ريس فإن إخضاع رؤانا الشخصية ل”اختبار دائماً مع رأي خارجي” يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والتواضع ولكنه يحفّز النمو بقوة.

وفي الخلاصة، إن “الشركة الناشئة المرنة” ككتاب هو تجسيد لالتزام ريس برؤيته. وهو نتيجة ملموسة للأفكار التي يمكن الحصول عليها من اتباع نهج ريادي ومدروس في الحياة والعمل.  
Advertisements
 

الأوسمة: ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: